
“نعم نستطيع” كانت الكلمتين اللتين ترامتا لأذن كل مبادر من مجتمعنا العربي بعد قصه النجاح الرائعة لشركه تراماونت التي اشترتها الشركه الأمريكية موليكس بمبلغ 430 مليون دولار، حيث أثبت مؤسسها لمجتمعنا ولصناعة الهايتك أنّه لا يوجد سقف زجاج وأن الطموح بالعمل المثابر لا بد أن يتحقق. وهذا مثال واحد من عده قصص نجاح في الفترة الأخير تؤكد أهمية البحث في سؤال: “كيف نبني هويتنا الهايتكية كمجتمع عربي وكيف لثقافتنا ان تلعب دورًا في خلق التميز في هذا الحقل؟”.
الأبحاث الحديثة في علم الاجتماع والاقتصاد الإقليمي تشير بوضوح إلى أن التفوق في المجالات التكنولوجية لا يُبنى فقط على المهارات أو الخبرات او رأس المال، وذلك لوجود متغير إضافي مهم جدًا في المعادلة والمعروف باسم “النظام الثقافي”، وهو ما يُحدّد بشكل كبير كيف يفكر الأفراد، وكيف يتخذون قراراتهم، وما هي المسارات التي يعتبرونها ممكنة أصلًا. قسم من هذه الأبحاث الحديثه نسبيا مثلا يصور ويعرف الثقافة “كمجموعه أدوات” يستخدمها الأفراد لتفسير الواقع واتخاذ القرار. أبحاث أخرى في “الاقتصاد الجغرافي” تشير إلى أن تطور الصناعات التكنولوجية يرتبط بشكل وثيق بالثقافة المحلية والتي تشكّل في النهايه ما يمكن تسميته “بمسار التطور”.
إذا أخذنا هذا الإطار للحظة وحاولنا فهم انعكاساته فمن الواضح أن بناء “هوية هايتكية” أو خلق تميز للمجتمع العربي في هذه الصناعة قد يكون من الممكن تحقيقه من خلال العمل المتوازي في عدة مُركبات متشابكة ومترابطة، وهي القيم، والمعتقدات، والمعايير الاجتماعية، والرموز، والممارسات، والسرديات، والأدوات، والمؤسسات.
في كثير من الأحيان نعتقد أن الحجم او العدد هو معيار القوة والنجاح، لكن الواقع يثبت أن التميّز هو ما يصنع الأثر الحقيقي. فالمؤسسات والشركات، وحتى المجتمعات لا تتقدّم فقط بكثرة الموارد أو الأعداد، بل بقدرتها على تقديم قيمة مختلفة ورؤية واضحة. الحجم أو العدد قد يمنح حضورًا مؤقتًا، أما التميّز فيبني مكانة طويلة الأمد ويخلق تأثيرًا يصعب منافسته أو تقليده. لهذا، في عالم التكنولوجيا وريادة الأعمال تحديدًا، نرى فِرقًا صغيرة وشركات ناشئة قادرة على تغيير أسواق كاملة، ليس لأنها الأكبر، بل لأنها الأكثر تميّزًا.
في حقل القيم مثلا، الأبحاث تشير الى انه لا يمكن لمجتمع أن يقود في مجالات التكنولوجيا بدون تبني قيم ومحددات فعلية تنعكس بنوع الشركات التي يتم بناؤها. مثلا لا يمكن القياده من دون تغيير قيمة “الأمان” إلى قيمه “الجرأة”، وتبني قيمة “التعلم المستمر”، وقيمة “تحمل المخاطر المحسوبة” وقيمة “التعاون” وغيرها. فتغيير القيم يؤدي إلى تغيير السلوكيات ومنها الى تغيير النتائج.

وفي حقل المعتقدات الأبحاث تؤكد ان ما نؤمن به يحدد ما نحاول فعله، وما نحاول فعله يحدد ما ننجح في بنائه. المعتقدات هي الطبقه العميقة والتي تسبق القرار والسلوك. فمثلًا يتبنّى البعض الاعتقاد بأنّنا “متأخرون” رغم امتلاكنا عددًا من الباحثين والمهنيين والمهندسين والكفاءات التي نُحسد عليها، أو يتبنى آخرون الاعتقاد بأنّ “الفشل هو النهاية”، مع أنه خطوة للتعلم تبني وتصقل المبادِر وتُكسبه العديد من الخبرات التي تساعده في محاولاته الجديدة، وغيرها من المعتقدات والتي توجب علينا تغييرها وتبني معتقدات تساهم في البناء والتحدي والمنافسه والتميز في صناعه الهايتك.
وللمعايير الاجتماعية دور كذلك في بناء الكثافة الريادية الحقيقية، فهي ما يحدد “ما هو مقبول” و“ما هو مرفوض”، وبالتالي تشكّل سلوك المبادرين دون وعي أحيانا، مثل النظرة الى الفشل، والأمان الوظيفي، والحكم الاجتماعي، والتواضع المفرط في الطموح وغيرها.
وتختصر الرموز القيم والمعايير بلغة بصرية، ولها تأثيرها على ما يعتقده الناس ممكنا، وفي تكرارها اعاده لتشكيل الطموح والسلوك. وتشمل هذه اللغة البصرية تسليط الضوء على قصص النجاح، والتكريم، والتصميمات والمحتويات التي تُشعرنا بأننا جزء من عالم متقدم تقنيًا، بحيث تكون كلها جزء من المعرفة والخطاب اليومي.
أما الممارسات فهي المكان الذي تتحول فيه الثقافة إلى نتائج. بدونها، تبقى القيم والمعتقدات مجرد نوايا. فالمنتجات التي تُبنى، والتجارب التي تُطلق، والتركيز في التعامل مع مشاكل واحتياجات عالميه، والشفافيه، والتشبيك، والمنتوريج، والإرشاد كلها ممارسات لدعم التميز والنجاح.
التغيير في الحقول اعلاه سيؤدي ال تغير السرديات و“القصة الكبرى” التي نرويها كمجتمع وهي ما سيحدد ما يعتبره الناس ممكنًا ومشروعًا. تغيير السردية يغيّر الاتجاه بالكامل. علينا تعريف القصة، بأن تتمحور -على سبيل المثال- حول بناء مسارات جديده بدل محاولة اللحاق. كما يتوجّب علينا رواية قصص النجاح كمنظومه، وتسليط الضوء على القيادات في مجالات تميزهم. علينا أن نجعل الأدوات متاحة والمعرفة في منهجيات بناء الشركات الناشئة في متناول الجميع بسهولة، مثل كيفيه الوصول إلى الأسواق، والتشبيك والتعامل مع المستثمرين وغيرها، فهذه أدوات يجب أن تصبح متاحة دون اقتصارها على نخبة بعينها. وهنا يأتي دور المؤسسات فبدون أطر تنظيمية وتمويلية وتعليمية تدعم هذا التوجه، ستبقى الجهود فردية ومحدودة الأثر. مثال لذلك هو الحاضنات والمسرعات وصناديق الاستثمار وغيرها. المؤسسات هي ما يحوّل الاتجاه إلى نظام مستدام.
من هنا، يتطلّب بناء هوية هايتكية متميزة للمجتمع العربي البحث والتركيز على مجالات تتقاطع فيها الحاجة العالمية، مع ثقافتنا بمركباتها وميزاتها المحلية، وقد يكون للتغييرات المتسارعه في الصناعات المتقدمة وتطور مجالات التكنولوجيا العميقة (DeepTech) فرصة حقيقية لتحقيق مثل هذا الأمر.
وخلاصة القول إنّ الهوية الهايتكية هي عملية بناء واعية. والآن هو الوقت الملائم لنخوض هذا النقاش بشكل علمي ومنهجي ومدروس حتى لا نبقى جزءًا من الهايتك فقط، بل كي نستطيع أيضًا أن نحدد أي دور نريد لمجتمعنا أن يلعبه.
*فادي سويدان – نائب مدير عام صندوق الاستثمار «تكوين»
****المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر موقع وصلة للاقتصاد والأعمال.












