
تسمح الهدنة المعلنة لمدة أسبوعين بعودة النشاط الاقتصادي في إسرائيل مع انتهاء فترة الأعياد، حيث ستُرفع القيود عن الأعمال ويُعاد فتح المدارس والجامعات، رغم استثناء قطاع الطيران الذي يحتاج وقتًا أطول للعودة إلى نشاطه الطبيعي. لكن هذه العودة لا تعني أن الاقتصاد الإسرائيلي سينعم بفترة استقرار اقتصادي، إذ إن الحرب توقفت دون تحقيق أهدافها الأساسية، وعلى رأسها إسقاط النظام و”إزالة التهديد النووي الإيراني” وتدمير البرنامج الصاروخي، ولا شيء يضمن حتى الآن ألا تُستأنف الحرب بعد انتهاء الهدنة، سواءً في الجبهة الإيرانية أو في جبهات أخرى.
في هذا الصدد، تشير تقديرات بنك إسرائيل ووزارة المالية إلى أن الإنفاق العسكري سيبقى مرتفعًا في جميع السيناريوهات، حتى في حال تحوّل الهدنة إلى اتفاق دائم، بسبب الحاجة إلى الاستعداد لجولات قتال مستقبلية. فحتى في أشد السيناريوهات تفاءلًا، تشير تقديرات بنك إسرائيل ووزارة المالية إلى أن الناتج المحلي في عام 2026 سيتراجع بنسبة 1.4%، بعد خفض توقعات النمو من 5.2% إلى 3.8%. وهو ما يعني خسارة في الناتج المحلي تتراوح بين 30 و40 مليار شيكل مقارنة بالتوقعات السابقة، وذلك ضمن سيناريو استقرار نسبي دون اندلاع حرب جديدة.
خلال الحرب، صادقت الحكومة على تخصيص 39 مليار شيكل لتغطية التكاليف العسكرية المرتبطة بالعمليات الحربية في إيران ولبنان. من أصل 39 مليار شيكل، خُصصت 7 مليارات شيكل كاحتياط مالي، والتقديرات تفترض أن الجيش سيستخدم هذا المبلغ بالكامل لتغطية تكاليف إضافية متعلقة بالحرب. إضافة إلى ذلك، خصصت الحكومة 5.8 مليار شيكل للنفقات المدنية، مثل تعويض الأضرار وإعادة تأهيل المباني والبنية التحتية. هذه التقديرات بُنيت على أساس أن الحرب ستستمر حتى منتصف أبريل، لكن انتهائها قبل ذلك قد يقلل جزءًا من الأضرار الاقتصادية والتكاليف المرتبطة بها.
في المقابل، هناك سيناريو أكثر تعقيدًا يرتبط بالجبهة الشمالية مع لبنان. إذ يبدو من التصريحات الإسرائيلية والغارات العنيفة التي شنها سلاح الجو الإسرائيلي على مناطق واسعة من لبنان بُعيد إعلان الهدنة، أنّ اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران لا يشمل المواجهة مع حزب الله، حيث يبدو أنّ إسرائيل عازمة على نزع سلاحه بنفسها -ولو ضمن منطقة عازلة- دون التعويل على قدرة الجيش اللبناني على القيام بذلك. وفي حال استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، قد لا تقتصر الهجمات على سلاح الجو، وقد يبقى الجيش الإسرائيلي لفترة طويلة ضمن منطقة “أمنية” أوسع في الجنوب اللبناني، ما يتطلب تجنيد أعداد كبيرة من قوات الاحتياط لفترة أطول من المخطط. هذا السيناريو سيزيد من الضغط على الميزانية، وقد يؤدي إلى خلافات بين وزارة المالية ووزارة الدفاع حول حجم الإنفاق العسكري.
استمرار المواجهة في الشمال له أيضًا تبعات مباشرة على البلدات الشمالية القريبة من الحدود اللبنانية ستمنعها من العودة إلى نشاطها الطبيعي، سواء عمل المدارس أو المصالح التجارية أو قطاع السياحة، خاصة بعد التقديرات الإسرائيلية التي رسمت صورة مغايرة لقدرات حزب الله تشير إلى أنّه قادرٌ على إطلاق 200 صاروخ يوميًا لمدة 5 أشهر، سيوجّه معظمها للبلدات الشمالية القريبة.
إلى جانب ذلك، حذّر كبير الاقتصاديين في وزارة المالية في تقدير نشره نهاية مارس من أن أحد المخاطر الرئيسية على الاقتصاد الإسرائيلي يتمثل في تراجع ثقة المستهلكين والمستثمرين بعد الحرب، خاصة في ظل “عدم إزالة التهديد الإيراني بالكامل” واستمرار حالة عدم اليقين. وبحسب هذا التقدير، فإن تراجع الثقة قد يؤدي إلى انخفاض الاستهلاك والاستثمار، ما من شأنه أن يبطئ التعافي الاقتصادي المتوقع ويؤثر سلبًا على وتيرة النمو في المرحلة المقبلة.
مقالات ذات صلة: كم بلغت فاتورة الحرب على الولايات المتحدة؟










