
هبط سعر صرف الدولار أمام الشيكل إلى أقل من 2.9 شيكل، ليسجل أدنى مستوى منذ عام 1993، في تراجع تاريخي لم تشهده السوق منذ أكثر من ثلاثة عقود. هذا الانخفاض الكبير أعاد النقاش حول ما إذا كان الوقت مناسبًا لشراء الدولار بعد هذا الهبوط الحاد، أم أن السوق دخل فعلًا مرحلة جديدة قد يبقى فيها الدولار دون 3 شيكل لفترة طويلة؟
يحاول تقرير لموقع غلوبس الاقتصادي الإجابة عن هذه الاستفسارات موردًا تحليلًا شاملًا لكل جوانب المسألة. وبحسب التقرير، خسر الإسرائيليون الذين استثمروا في السوق الأميركية خلال العام الماضي جزءًا كبيرًا من أرباحهم بسبب انهيار الدولار أمام الشيكل. فرغم أن مؤشر S&P 500 الأميركي ارتفع أكثر من 30% خلال العام الماضي، قلّص هبوط الدولار الأرباح الفعلية للمستثمر الإسرائيلي إلى أقل من 10%. فعلى سبيل المثال، من استثمر 100 ألف شيكل في مؤشر S&P 500 قبل سنة، كان من المفترض أن يحقق ربحًا يقارب 32 ألف شيكل، لكن بعد احتساب سعر صرف الدولار الجديد، أصبح الربح الفعلي حوالي 9 آلاف شيكل فقط.
هذا التراجع دفع الكثير من المستثمرين إلى سحب أموالهم من الصناديق التقاعدية وصناديق التوفير للتقاعد (קופות גמל) التي تستثمر في مؤشر S&P 500. وخلال الأشهر الستة الأخيرة حتى مارس، سحب الإسرائيليين أكثر من 5 مليارات شيكل من هذه المسارات، وهو ما يعادل 7% من أموالهم المستثمرة في هذه المسارات.
أسباب قوة الشيكل
بحسب التقرير، يعود ارتفاع قيمة الشيكل أمام الدولار إلى عدة عوامل، أبرزها تراجع المخاوف الأمنية بعد هدوء جبهات الحرب خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى استمرار تدفق الأموال الأجنبية إلى إسرائيل، خاصة من قطاع الهايتك وصفقات بيع الشركات. ومن أبرز الصفقات التي دعمت الشيكل هذا العام، صفقة بيع شركة “ويز” إلى غوغل مقابل 32 مليار دولار. كما ساهم ضعف الدولار عالميًا في تعزيز قوة الشيكل، بعدما تراجع الدولار 1.7% أمام سلة العملات العالمية، ما جعل الشيكل واحدًا من أقوى العملات هذا العام أمام الدولار.
ورغم أن الدولار هبط رسميًا إلى أقل من 3 شيكل في عام 1995، فإن السوق في تلك الفترة كانت خاضعة لتدخل حكومي مباشر في سعر الصرف، بينما يعتبر خبراء أن الهبوط الحالي هو الأول الذي يحدث بفعل حركة السوق وحدها.

هل ينصح الخبراء بشراء الدولار؟
الخبراء الذين تحدثو إلى الصحيفة كان لهم آراء متباينة تتعلق بشراء الدولار في الوقت الراهن، فأحد الخبراء في مؤسسة مالية قال للصحيفة إن شراء الدولار قد يكون منطقيًا فقط لمن يحتاجه خلال الأشهر المقبلة، مثل الأشخاص الذين يخططون للسفر إلى الخارج، لكنه لا يرى جدوى من الاحتفاظ بالدولار لفترة طويلة، لأنه لا يحقق أرباحًا، كما أن التضخم يقلل من قيمته الفعلية مع الوقت.
وقال أحد مدراء الاستثمار إن الأسعار الحالية قد تكون مناسبة لمن يريد الاستثمار بالدولار، لكنه يعتقد أن الشيكل سيبقى قويًا على المدى الطويل بسبب استمرار الصفقات والاستثمارات القادمة من الخارج، ما يعني استمرار تدفق مليارات الدولارات إلى إسرائيل. وأضاف أن من يوزع أمواله بين الدولار والشيكل، لا يجب أن يغيّر خطته الاستثمارية فقط لأن الدولار انخفض
مسؤول آخر في مؤسسة مالية قال إن شراء الدولار والاحتفاظ به نقدًا ليس الخيار الأفضل، لأن الشخص يبقى معرضًا لتقلبات سعر الصرف من دون أي أرباح. وبرأيه، من الأفضل وضع الأموال في استثمارات تحقق عائدًا بدل الاكتفاء بشراء الدولار نفسه.
في المقابل، يرى مدير لأحد صناديق الاستثمار تحدث إلى الصحيفة أن الشيكل سيواصل صعوده بسبب تدفق الأموال من صادرات الغاز الطبيعي والأسلحة وقطاع الهايتك وصفقات بيع الشركات. وقال إن الدولار قد يرتفع لفترة قصيرة بسبب تطورات سياسية أو أمنية، لكنه لا يعتبره استثمارًا جيدًا على المدى الطويل.
بعض الخبراء يرون أن انخفاض الدولار قد يكون فرصة لزيادة الاستثمار في الأسواق العالمية، وخاصة في الأسهم الأميركية، حيث اعتبر أحد الخبراء البنكيين أن الاستثمار في الخارج أصبح أكثر جاذبية حاليًا، لكنه شدد على أن هذا لا يعني تحويل كل الأموال إلى الأسهم الأميركية، بل زيادة الاستثمارات هناك مع إبقاء جزء آخر مستثمرًا داخل إسرائيل.

واعتبر هذا الخبير أن الاستثمار في مؤشر S&P 500 يبقى الخيار الأسهل للكثير من المستثمرين، لأنه يسمح بالاستثمار في أكبر الشركات الأميركية دفعة واحدة. كما أشار إلى قطاعات يراها جذابة حاليًا، مثل شركات الطيران التي قد تستفيد من انخفاض أسعار النفط، وشركات البرمجيات التي تراجعت أسهمها بشكل حاد خلال الفترة الأخيرة.
وقال خبير بنكيّ آخر للصحيفة إن قطاع التكنولوجيا الأميركي يبدو جذابًا حاليًا، وخاصة شركات الرقائق الإلكترونية التي تستفيد من طفرة الذكاء الاصطناعي. كما أشار إلى أن شركات النفط الأميركية قد تستفيد من أزمة مضيق هرمز وارتفاع الطلب على النفط.
في المقابل، حذر الخبراء من الاستثمارات الآمنة نسبيًا المرتبطة بالدولار، مثل السندات الأميركية أو الصناديق التي تضخ الأموال في ودائع بالدولار لفترات قصيرة، حيث أوضح أحدهم أن سندات الحكومة الأميركية تمنح عائدًا سنويًا 4.3% تقريبًا، لكن أي هبوط في الدولار قد يمحو هذا الربح بسهولة. ووصف خبير آخر هذا النوع من الاستثمارات بأنه “كارثة” في الفترة الحالية، موضحًا أن المستثمر قد يخسر كل أرباحه بسبب تراجع الدولار. وأشار إلى أن الدولار هبط 3% خلال أسبوع واحد فقط، وهو تراجع كبير لا يناسب من يبحث عن استثمار هادئ وآمن.
الأرقام في صناديق الاستثمار تعكس هذه الصورة بوضوح. فالصناديق التي تستمثر في ودائع قصيرة بالدولار سجلت خسارة 15% خلال السنة الأخيرة، بينما حققت الصناديق المشابهة في ودائع بالشيكل أرباحًا تجاوزت 4%. كذلك فإن الصناديق التي تستثمر في سندات الشركات بالدولار سجلت خسائر سنوية متوسطة بلغت 11%، بينما حققت الصناديق التي تستثمر في سندات شركات إسرائيلية بالشيكل أرباحًا تبلغ 6%.
وأشار أحد الخبراء الذين تحدثوا في التقرير إلى أن الأشخاص الذين يستثمرون بالدولار يمكنهم تقليل خسائرهم الناتجة عن تغيّر سعر الصرف عبر اختيار مسارات استثمار تحميهم من هبوط الدولار، رغم أن هذا النوع من الحماية يرفع تكلفة الاستثمار. كما أوصى خبير مالي آخر بإمكانية الاتفاق مسبقًا مع البنك على سعر صرف الدولار لفترة مستقبلية مقابل عمولة تقل عن 1% من قيمة الصفقة، لكن هذه الطريقة تعني أيضًا أن المستثمر لن يستفيد إذا ارتفع الدولار لاحقًا.
وفي ظل المخاوف من استمرار ضعف الدولار، يرى بعض الخبراء الذي تحدث إليهم التقرير أن الذهب يبقى خيارًا مناسبًا، لأنه غالبًا ما يرتفع عندما يضعف الدولار، كما يعتبره المستثمرون ملاذًا آمنًا خلال فترات التوتر السياسي والأمني.
*إخلاء مسؤولية: المعلومات المنشورة في هذا المقال هي لأغراض إعلامية وتثقيفية عامة فقط، ولا تُعد استشارة استثمارية أو تسويقًا استثماريًا كما يعرّفهما قانون تنظيم مزاولة مهنة الاستشارة الاستثمارية والتسويق الاستثماري وإدارة المحافظ، لسنة 1995. المعلومات الواردة لا تأخذ في الاعتبار المعطيات والاحتياجات الخاصة بكل شخص، ولا تشكل توصية بشراء أو بيع أي أداة مالية. أي قرار استثماري يجب أن يُتخذ بعد فحص مستقل و/أو استشارة جهة مرخّصة.










