
موقع المحطة
“لو سمحت، وين المحطة المركزية؟” سألتُ. “وين المحطة؟ إنتِ فيها إسَّا!”، أجاب أحد السكان. ليس بعيداً عن كنيسة البشارة وبجوار مركز توظيف تابع لشركة مايكروسوفت، تقع منطقة تتجمع فيها الباصات. أكوام النفايات التي يمشي فوقها الناس -في الشارع الرئيسي (شارع بولس السادس) في واحدة من أقدس وأهم مدن في العالم المسيحي- تبدو أقلّ سوءًا مقارنة بالوضع المزري لما يُسمّى في الناصرة “المحطة المركزية”.

الصيانة والمرافق الأساسية في المحطة
عمود متآكل الطلاء تعلوه لوحتان صفراوان باهتتان كُتبت عليهما أرقام خطوط الباصات، يقع فوق رصيف مكسور. لا يوجد مواقف انتظار مزودة بمظلّات للحماية من المطر أو الشمس. جلس بعض الركاب على قطعة كرتون وُضعت فوق مصطبة حجرية، بينما وقف معظمهم. على الجهة الأخرى من الشارع الضيق يوجد موقفا انتظار قديمان، جار الزمان عليهما فاهترآ وتآكل طلاؤهما، يحتويان على مقاعد يعلوها الصدأ. في هذين الموقفين يتم انتظار الباصات التي تربط الناصرة بغيرها من المدن. لا توجد شاشات معلومات رقمية تعرض مواعيد الرحلات بشكل آني ومُحدّث، ولا يوجد مكان انتظار مسقوف، ولا مراحيض، والمنطقة بأكملها متسخة ببساطة. ويوجد بالقرب منها بعض متاجر الملابس ومطاعم.
الربط بين المناطق والمدن
الباصات التي تتوقف في هذه المحطة هي الباصات التي توصل الركاب إلى مناطق الناصرة، إضافة إلى الباصات التي تربط المدينة بالمدن والبلدات الأخرى، مثل نوف هجليل المجاورة، وطرعان، والرينة، وسخنين، وكفر كنا، ويافة الناصرة، ومجدال هعيمق، وكعبية-طباش-حجاجرة، والمغار، وكرمئيل، والعفولة، وشفاعمرو، وحيفا، وتل أبيب والقدس.
وتيرة وصول الباصات
تزحف الباصات زحفًا في الشارع المزدحم والمتعرج. لا يوجد مسار خاص للباصات، ولذلك فإنّ مواعيد وصول الباصات -وهي أصلًا غير منتظمة- هي مواعيد نظرية فقط لا يُمكِن الاعتماد عليها فعليًا لأن الباص قد يعلق في إحدى الأزمات الخانقة. يقول أحد الركاب المنتظرين: “ما منعرف وينتا رح يوصل الباص”. ولذلك، ليس أمام الركّاب سوى الوقوف وانتظار الفَرَج.. أقصد الباص. من المفترض أن تصل الباصات الداخلية التي تربط بين أجزاء الناصرة كلّ نصف ساعة، ولكن قد تتضاعف هذه المدّة إلى ساعة بحسب الأزمات.
مدينة منسية على “هامش الشارع”
تمتلك مدينة الناصرة إمكانات سياحية هائلة لم تتحقق بسبب الإدارة الفاشلة والفاسدة. ففي العام الماضي، قررت لجنة تحقيق تابعة لوزارة الداخلية أن علي سلام، الذي شغل منصب رئيس البلدية لعقد من الزمان، لن يستمر في منصبه؛ وذلك لعدة أسباب منها تراكم النفايات في طرقات المدينة، ومخالفات البناء، والفشل في تطبق القوانين، والعجز المتراكم في الميزانية، والاشتباه في تغلغل منظمات الجريمة في إدارة المدينة. تُطلِق الشرطة على هذه القضية اسم “متاهة الأموال”، وقد اعتُقل في إطارها رئيس البلدية ومسؤولون كبار آخرون. وتدير المدينة حالياً لجنة معيّنة يترأسها يعقوب أفراتي، المدير العام السابق لوزارة الداخلية والمدير العام السابق لـ”سلطة أراضي إسرائيل”.
تتوافد السياحة الدينية المسيحية إلى البلاد بشكل دائم، حتى بين الحروب وفي أوقات التوتر الأمني. وبحسب تقارير وزارة السياحة، دخل إسرائيل في عام 2025 نحو 1.3 مليون سائح، وأظهر استطلاع للوزارة أن 9% منهم كانوا حجّاجًا مسيحيين (حوالي 117 ألفاً). وفي المقابل، في عام 2019، الذي كان عاماً قياسياً للسياحة بـ4.6 مليون سائح، كان نحو ربعهم من الحجاج المسيحيين، أي حوالي 1.1 مليون زائر. جميعهم يزورون المواقع المقدسة المسيحية، ومن بينها تلك الموجودة في الناصرة، وتحديدًا كنيسة البشارة التي تلقّت فيها السيدة مريم البشارة بولادة المسيح.

الناصرة اليوم هي مدينة بلا بشارة. من المؤسف أن السياح من مختلف أنحاء العالم يشهدون كيف تهمل الدولة مكانًا كان يمكن في أيام الاستقرار أن يكون جوهرة سياحية. صحيح أن المدينة تنتعش قليلًا في فترة عيد الميلاد، وتحصل على ميزانية لزينة الميلاد من وزارة السياحة، إلا أنّها طوال العالم تظلّ مدينة مهملةً تغيب عنها الفرص السياحية.
من المخطط أن يصل إلى أطراف المدينة خط القطار الخفيف “نوفيت”، الذي يمتد على طول 41 كيلومترًا من حيفا، مرورًا بكريات آتا، شفاعمرو، الرينة، المشهد، بير المكسور ونوف هجليل. المشروع، الذي يُقام بتكلفة 7.5 مليار شيكل، كان من المخطط افتتاحه في 2028، لكن موعد تشغيله تأجّل إلى عام 2029، بل ومن المتوقع أن يتأجل أكثر. على كلّ حال، حتى عندما يصل القطار الخفيف إلى الناصرة، سيضطر الركاب إلى ركوب باص من أطراف المدينة إلى مناطقها الداخلية، وسيعلقون كما هو الحال الآن في الازدحامات المرورية الخانقة في شوارعها الضيقة، في ظل غياب مسار مخصص للمواصلات العامة.
في أنحاء العالم، في المدن التاريخية — وحتى في القدس — يتم إغلاق المناطق المركزية التي تضم مواقع مقدسة أمام حركة السيارات الخاصة. خطوة مثل هذه مطلوبة اليوم أيضًا في الناصرة.

في سياق مواز، قال يعقوب أفراتي، رئيس لجنة إدارة الناصرة، قائلاً: “لقد حسنّا عملية جمع النفايات. الوضع ليس الأفضل في العالم، لكننا ندفع 4 ملايين شيكل شهرياً لإزالة القمامة، واشترينا مركبات للتنظيف وجمع النفايات ونعمل يومياً على تحسين الوضع. نحن نعلم أن المواصلات العامة في الناصرة كارثية، ونعمل بالتنسيق مع وزارة المواصلات، لكننا لم نحقق نجاحات بعد. نحن نعمل حاليًا ضمن خطة إشفاء ضمن منظومة مالية محدودة جداً، ومن دون مساعدة كبيرة من وزارة المواصلات سيكون من الصعب النجاح”.
وجاء في بيان صادر عن وزارة المواصلات: “تعتمد خدمة المواصلات العامة في الناصرة تاريخياً على بنية تحتية موزعة في أنحاء المدينة وليس على محطة مركزية واحدة، وذلك لعدة أسباب منها طبيعة التطور التاريخي لمشغلي خدمات المواصلات في المدينة، والذين يعمل بعضهم منذ فترات مبكرة جداً، حتى قبل قيام الدولة. وبناءً على ذلك، تُقدم الخدمة حتى اليوم عبر شبكة من المحطات ونقاط التوقف المركزية، وليس من خلال مجمع مركزي واحد”.

“في الوقت ذاته، تعمل وزارة المواصلات على تعزيز حلول متقدمة لمستقبل المواصلات في المدينة. ففي إطار مشروع القطار الخفيف ‘نوفيت’، الذي سيربط بين الناصرة وحيفا، تم استكمال تخطيط إنشاء مجمعات جديدة للركاب بالقرب من محطات القطار الخفيف، بما في ذلك داخل نطاق المدينة نفسها. ومن المتوقع أن تمتد هذه المجمعات، إلى جانب مرافق نقل إضافية مخططة ضمن الخطة الاستراتيجية لعام 2040، على مساحة إجمالية تزيد عن 45 دونماً، وستشمل أيضاً مواقف مخصصة لوقوف الحافلات ليلاً ومجمعات تشغيلية. ستسمح هذه البنى التحتية بتوسيع الخدمة بشكل كبير، وتحسين الموثوقية ووتيرة الباصات، وتعزيز الربط بين وسائل النقل المختلفة. كما سيتم تصميم مجمعات الركاب الجديدة لتشمل كافة المكونات المطلوبة لتحقيق تجربة سفر عالية الجودة، مثل مناطق انتظار منظمة، ومعلومات للمسافرين، وغيرها من الخدمات عالية المستوى، وسيتم ربطها بشكل مثالي بمناطق الطلب في المدينة ونظام القطار الخفيف المستقبلي”.
“في شارع بولس السادس توجد مواقف باصات عادية تُستخدم لصعود ونزول الركاب. إن التعريف الشائع للمكان على أنه ‘محطة مركزية’ ليس رسميًا ولا يعكس الواقع الفعلي، وهناك حاجة لتحديث المعلومات المقدّمة للجمهور في هذا الشأن. أما فيما يتعلق بالمشكلات الموصوفة، فإن صيانة الحيز العام، بما في ذلك النظافة، وتركيب مرافق الانتظار، ومعالجة الأضرار، تقع ضمن مسؤولية السلطة المحلية. ومع ذلك، ترى الوزارة أهمية كبيرة لتسحين تجربة الركاب الشاملة، وتعمل بالتعاون مع السلطات المحلية على تحسين المظهر العام وصيانة مرافق النقل العام. وبخصوص مسارات المواصلات العامة، تقوم الوزارة بدراسة مستمرة لتعزيز أولوية المواصلات العامة أيضاً في منطقة الناصرة، بما في ذلك حلول تشمل مسارات مخصصة للحافلات العامة، وذلك بناءً على فحص مهني، يأخذ إمكانيات البنية التحتية في المدينة بعين الاعتبار، وذلك بالتعاون مع السلطة المحلية”.
المقال منشور ومترجم في وصلة بإذن خاص من The Marker










