الجمعة, مارس 6, 2026 16:54
/
/
في هذا المكان لا أحد يتحكم بكِ

في هذا المكان لا أحد يتحكم بكِ

في سياق الواقع الصعب الذي نعيشه، يبرز سوق رأس المال كمساحة محايدة وبعيدة عن الأحداث اليومية الفظيعة التي تدور حولنا. البورصة لا تنتظر موافقة هذا الوزير أو ذاك المسؤول، ولا تهتم اذا كان المسُتثمر رجل أو امرأة، عربي أو يهودي. المقياس الوحيد هو الأداء والقدرة على فهم الصورة وتحقيق الربح. وفي هذا الجانب أثبتت النساء أنهن مستثمرات مُذهلات بكل المقاييس.
أيقون موقع وصلة Wasla
Saving-for-collage-1 banner
في الوقت الذي تتراجع فيه دولة إسرائيل أيضا في مسار المساواة بين الرجال والنساء، تتشكل بعيدًا عن الأضواء ثورة هادئة. معطيات تقرير «نظرة جندرية 2026» الصادر عن بيت الاستثمار IBI تكشف واقعًا متناقضًا: حكومة تُقصي النساء عن مراكز صنع القرار، مقابل نساء يرفضن الخضوع للمؤسسة الرسمية ويخترن الإمساك بمصيرهن الاقتصادي بأيديهن عبر الاستثمار في أسواق المال.

إنها مفارقة لافتة لفجوة كبيرة بين الإقصاء من الحلبة السياسية من جهة وبين التميز والحضور القوي على الساحة الاقتصادية. وفي قلب هذه المفارقة تبرز قصة أكثر حدّة تتعلق بالنساء في المجتمع العربي، اللواتي يواجهن ما يمكن وصفه بتمييز مزدوج. لكن من هذه النقطة تحديدًا، تبدأ أيضًا ملامح حركة جديدة في التشكّل.

في الميدان الاقتصادي، ووسط هذا الواقع الإقصائي، يبرز سوق رأس المال كمساحة تكاد تكون خالية من الاعتبارات الجندرية. فالبورصة لا تحتاج إلى مصادقة وزير هنا أو هناك، ولا تسأل إن كان المستثمر رجلًا أم امرأة؛ ما يهمها شيء واحد فقط: الأداء. أمّا أداء النساء؟ فاستثنائي بكل المقاييس. وفي السنوات الأخيرة بدأت بوادر هذا التحوّل تظهر أيضًا داخل المجتمع العربي.

تكشف معطيات IBI لعام 2025 أن النساء لا ينضممن إلى سوق رأس المال بوتيرة غير مسبوقة فحسب، بل يثبتن أيضًا أنهن مستثمرات من الصنف الممتاز. فقد ارتفع عدد حسابات التداول لدى النساء بنسبة 41%، مقارنة بارتفاع بلغ 21% فقط لدى الرجال. وليس هذا فحسب؛ إذ أظهرت البيانات أن متوسط العائد في المحافظ الاستثمارية التي تديرها النساء كان أعلى بـ 1.4% من العائد الذي حققه الرجال.

كيف يحدث ذلك؟ لأن النساء يستثمرن بمسؤولية أكبر. فهنّ يتداولن بوتيرة أقل، ما يعني تقليل العمولات وتجنّب كثير من الأخطاء الناتجة عن “تشويشات” السوق، كما يحرصن على تنويع الاستثمارات والالتزام بالمؤشرات. وبينما يميل الرجال إلى تنفيذ عدد أكبر من الصفقات في مختلف الفئات العمرية، تُظهر النساء قدرًا أعلى من الصبر والانضباط — وهو ما يترجم في نهاية المطاف إلى عوائد أفضل.

أمّا بالنسبة للنساء في المجتمع العربي، فإن هذا الانضباط المالي يكتسب بُعدًا إضافيًا. بالنسبة لكثيرات منهن، كل شيكل فائض هو ثمرة لقصة كفاح يومية تتغلب فيها المرأة العربية مع واقع الأجور المنخفضة، ومع عوائق سوق العمل، ومع المسؤوليات العائلية، وأحيانًا أيضًا مع توقعات اجتماعية تدفعهن إلى “الاكتفاء بما هو موجود”. وربما لهذا السبب تحديدًا، عندما يدخلن عالم الاستثمار يفعلن ذلك بحذر، وبنظرة طويلة الأمد، وبرغبة واضحة في بناء شبكة أمان اقتصادي لهنّ ولأطفالهن.

لكن هذا التحوّل لا يتعلق بالعوائد والأرباح فقط؛ بل يتعلق بتمكين وتعزيز مكانة المرأة أيضا. فمع تزايد الوعي المالي، وازدهار ما يُعرف بـ“مجموعات المستثمرات” وصانعات المحتوى في هذا المجال، بدأت النساء ينتقلن من موقع من يدفعن ثمن الازدهار والنمو الاقتصادي إلى موقع من يعرفن كيف يحققن الربح والفائدة منه.

في المجتمع العربي، تكتسب كل دورة أو محاضرة لرفع الوعي المالي والاستثماري عند النساء بُعدًا أعمق. سواء كان اجتماعًا صغيرًا عبر الزوم في أمسية داخل مركز جماهيري محلي، أو مجموعة رقمية تضم مئات النساء، فإن هذه المساحات تتحول إلى منصات للتغيير الاجتماعي أيضًا. فعندما تجلس النساء ليتحدثن عن آفاق  الاستثمار، وعن نسبة الفائدة والعوائد والمخاطر والفرص، فهن في الواقع يعِدن صياغة مكانتهن داخل الاقتصاد العائلي والمجتمعي.

تقول المقولة الشهيرة “عندما تنتصر النساء، يربح الجميع”، وقد آن الأوان لأن تدرك الدولة أن المساواة الجندري، بما في ذلك تقليص الفجوات التي تعاني منها النساء العربيات، ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل هي أحد أهم المحركات الاقتصادية والديمقراطية التي نملكها.

كل عام وأنتن بخير.

Saving-for-collage-1 banner

مقالات مختارة