الأربعاء, يونيو 3, 2026 20:24
/
/
الاختيار الحقيقي الذي يواجه البلدان النامية

الاختيار الحقيقي الذي يواجه البلدان النامية

أيقون موقع وصلة Wasla
366091 5 SMART REFRESH Arabic 53 1140x145px 300 ppi
india
مدينة هندية، صورة توضيحية

 

في تعليق نُشِر مؤخرا، يشرح داني رودريك، أحد أبرز الخبراء على مستوى العالم في مجال اقتصاديات التجارة والتنمية، لماذا أصبح “متشككا في جدوى التصنيع” بعد أن ظل عقودا من الزمن يرى في الإنتاج الصناعي المفتاح إلى تحقيق النمو الاقتصادي. وبما أن التصنيع التقليدي من غير الممكن أن يستوعب 1.5 مليار عامل “في مِـهَـن لا تتطلب تعليما جامعيا ولا تتعرض للاقتصاد الدولي من خلال التجارة أو نقل الأعمال إلى الخارج”، فإن نماذج النمو التي تقودها الخدمات يجب أن تحتل مركز الصدارة. وسوف يُـفضي توسيع الفرص في قطاعات التجزئة، والضيافة، والخدمات الغذائية، واستهلاك الطبقة المتوسطة إلى مكاسب إنتاجية.

لكن ما يغيب عن هذا التحليل إلى حد كبير هو إمكانية تحقيق مكاسب في إنتاجية البشر بدعم من الذكاء الاصطناعي. انظر حول العالم وسوف تجد أن الذكاء الاصطناعي يزيد بالفعل وبهدوء من الإنتاجية في الخدمات التي تستوعب العمالة بطرق لا تتطلب تعليما جامعيا. هذا الاتجاه واضح بشكل خاص في الهند، التي توفر مسارا للتوفيق بين “التشكيك في التصنيع” والرغبة الدائمة من جانب صُنّاع السياسات في أفريقيا، وجنوب آسيا، وجنوب شرق آسيا في التحول إلى التصنيع.

يعكس النمو الذي تقوده الخدمات في الهند أكثر من مجرد توسع في قطاعي التجزئة والضيافة هناك. فقد أعادت الأدوات الخوارزمية تشكيل العمليات جوهريا من خلال تحسين عمليات جرد المخزون، والتسعير الديناميكي، وتوقع الطلب، وتنسيق سلاسل التوريد. نتيجة لهذا، تختلف عمليات التجزئة الرسمية في بنجالور أو مومباي اليوم جوهريا عن نظيراتها في متجر في تسعينيات القرن العشرين، ليس لأن الموظفين أكثر تعليما، بل لأن الخوارزميات جعلتهم أكثر إنتاجية.

ومن الممكن ملاحظة الديناميكية ذاتها حتى على مستوى الباعة الجائلين وغير ذلك من المشاريع الصغيرة. مع وجود منصات مثل Flipkart B2B وJioMart التي توفر للتجار غير الرسميين أدوات للتنبؤ بالطلب وتحسين المشتريات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، يصبح بوسع بائع خضروات صغير لا يملك سوى جهاز محمول أن يتوقع ما يريده العملاء، ويخزن بضاعته وفقا لذلك، ويحقق هوامش ربح لم تكن متاحة قبل خمس سنوات فقط.

لنتأمل هنا مثالا موازيا من لحظة أخرى في تاريخ الصناعة. في ستينيات القرن العشرين، كان عامل النسيج في كوريا الجنوبية ينتج في الأرجح خمسين ضعف ما ينتجه نظيره الهندي، ليس لأنه كان أكثر اقتدارا، بل لأن النول كان أفضل. الآن، يفعل الذكاء الاصطناعي الشيء ذاته للباعة الجائلين، والعاملين في تجارة التجزئة، وصغار المزارعين. الفارق الكبير هنا هو أن هذه الأدوات يمكن جعلها متاحة بشكل أكبر كثيرا. ذلك أن نشرها أسهل كثيرا من بناء المصانع، وهي تعمل مع الهياكل غير الرسمية القائمة، بدلا من أن تتطلب عملية إعادة تنظيم صناعية شاملة.

يتمثل أحد العواقب الضمنية المترتبة على هذا الاختلاف في حقيقة مفادها أن بقاء 1.5 مليار عامل في وظائف غير تجارية منخفضة المهارة قد لا يشكل أي أهمية. فحتى لو استمرت الأنماط المهنية العامة، من الممكن أن تنمو الإنتاجية. نحن نعلم بالفعل أن المزارع الصغير المجهز بمستشار زراعي رقمي في شرق إفريقيا أو جنوب آسيا قادر على تحقيق مكاسب إنتاجية تبلغ 30% في المتوسط دون الحاجة إلى أراضٍ إضافية أو تعليم رسمي. وبوسع بائعة خضار تستخدم أدوات ذكاء اصطناعي بسيطة لتحسين المخزون والأسعار أن تضاعف أرباحها في غضون 18 شهرا.

العقبة الرئيسية التي تحول دون نمو الإنتاجية ليست تكنولوجية بل مؤسسية. إن توفير أدوات جديدة للعمال يتطلب الترجمة إلى اللغات المحلية، وإمكانية الوصول إليها دون الحاجة إلى معرفة رقمية متقدمة، ونماذج أعمال يمكن إدامتها بهوامش ربح ضئيلة، والتكامل مع الأنظمة المالية غير الرسمية.

من المهم للغاية هنا أن يضمن صُنّاع السياسات أيضا بناء هذه الأنظمة على بنية شاملة مفتوحة الوصول. إذا استخدمت منصات التجارة الإلكترونية المهيمنة رسوما استغلالية لاستخراج القيمة الزائدة المتولدة عن تحسين عمليات جرد المخزون، فسوف تنتقل هوامش الربح التي حققها بائع متجول بشق الأنفس ببساطة إلى ميزانيات الشركات العمومية. قد لا يكون تحقق كل هذه الشروط سهلا، لكنه في حكم الممكن.

تنطبق نتائج مماثلة على التصنيع. فبرغم أن التنافس على مكان في سلاسل القيمة التصنيعية العالمية الحديثة يتطلب مهارات متطورة، فإن الذكاء الاصطناعي يغير المعادلة بشكل جوهري. لم يعد مصنع الملابس بحاجة إلى 500 عامل متعدد المهارات؛ بل يحتاج إلى 50 عاملا مدعومين بمراقبة الجودة باستخدام الرؤية الحاسوبية، وتخطيط الإنتاج المدفوع بالطلب، وأنظمة تحسين الخدمات اللوجستية. ومن الممكن أن نجد بالفعل مثل هذه العمليات في بنجلاديش وفيتنام.

سوف يشير المتشككون بكل تأكيد إلى الاستغناء الفوري عن العمال الـ 450 المتبقين. ولكن لا يجوز لنا أن نغفل التحول الاقتصادي الأعرض الذي سيكون انطلق بالفعل. فمع توسيع المصانع الفائقة الإنتاجية لإنتاجها وخفض تكاليف الوحدة، فإنها بهذا تحفز منظومة بيئية واسعة من الوظائف غير الصناعية ــ من تنسيق سلاسل التوريد في المراحل الأولية إلى التوزيع في المراحل النهائية ــ والتي يمكنها إعادة استيعاب العمالة على نطاق ضخم.

الواقع أن مفارقة الإنتاجية التي يحددها رودريك ــ حقيقة أن التوسع في تشغيل العمالة في التصنيع لم يعد يواكب نمو الإنتاجية ــ حقيقية لكنها ليست مستعصية على الحل. عندما تكتسب شركات التصنيع غير الرسمية الصغيرة القدرة على الوصول إلى مراقبة الجودة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتنسيق سلاسل التوريد، والتخطيط في الوقت المناسب، يصبح بوسعها الوصول إلى مستويات إنتاجية لم تكن متاحة في السابق إلا للمصانع الضخمة المتكاملة.

يدعم الأداء الاقتصادي الضعيف في المكسيك في ظل اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا) هذه الحجة. المشكلة ليست أن شركات التصنيع المكسيكية لم تكن قادرة على المنافسة، بل تكمن المشكلة في فشل انتشار التكنولوجيا في الوصول إلى العمليات الصغيرة وغير الرسمية. فقد توسعت المصانع، ولكن في غياب الأدوات المناسبة وتقنيات المنصات، ظل العمال عالقين في أعمال التجميع المنخفضة الهامش.

وهذه التكنولوجيات ذاتها قادرة على خفض متطلبات رأس المال البشري في قطاعات أخرى كثيرة. صحيح أن الهند تدين بقدر كبير من نجاحها في تحقيق النمو الذي تقوده الخدمات إلى عدد سكانها الكبير الناطق باللغة الإنجليزية واستثماراتها المبكرة في البنية الأساسية لتكنولوجيا المعلومات، لكن نماذج مماثلة يمكن تكرارها في أماكن أخرى. بفضل التقدم في الترجمة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، لن تحتاج إلى مهندسين ناطقين باللغة الإنجليزية لنشر أدوات الزراعة الرقمية في الأماكن حيث يتحدث السكان اللغة الأمهرية، أو السواحيلية، أو التيلوجو.

وعلى هذا فإن السؤال حول ما إذا كان النمو القائم على الخدمات أكثر جدوى من التصنيع في البلدان الفقيرة يصبح في غير محله. فالجدوى تعتمد فقط على توفر آليات تعزيز الإنتاجية. في القرن العشرين، كان هذا يعني الوصول إلى الآلات الصناعية. أما اليوم، فهو يعني الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي التي تعمل باللغات المحلية، وتعمل دون اتصال بالإنترنت، وتكلف مبالغ زهيدة لكل معاملة.

بطبيعة الحال، لن يحدث الاستخدام الواسع النطاق لهذه الأدوات تلقائيا. ذلك أن معظم استثمارات الذكاء الاصطناعي اليوم تتركز في اقتصادات عالية المهارات ومرتفعة الأجور. لكن هذا يعكس اختيارات سياسية، وليس قانونا اقتصاديا. السؤال المطروح على صُنّاع السياسات هو ما إذا كانوا ليتعاملوا مع الذكاء الاصطناعي المترجم محليا اليسير التكلفة للعمال غير الرسميين كبنية أساسية ــ مثل كهربة الريف أو شبكات الطرق السريعة ــ أو كسلعة كمالية للأثرياء.

إذا استثمرت البلدان النامية في إتاحة الذكاء الاصطناعي والأدوات الرقمية المرتبطة به على أوسع نطاق ممكن، فمن الممكن أن يتعايش النمو الذي يقوده التصنيع والخدمات. بوسع المزارع الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحسين المحاصيل أن يحقق دخل الطبقة المتوسطة دون أن يترك الزراعة، وبوسع بائع متجول أن يفعل الشيء ذاته دون الانضمام إلى شركة ضخمة منظمة.

التصنيع ليس محرك النمو بالضرورة؛ بل ينبغي له ببساطة أن يتعايش مع الخدمات الرسمية وغير الرسمية المعززة بالذكاء الاصطناعي. قد تكون هذه الرؤية أقل رومانسية من سردية التصنيع في شرق آسيا، لكنها تتمتع بميزة كونها قابلة للتحقيق على الفور. يكمن التحدي الرئيسي في تنفيذ استراتيجية مدروسة وشاملة للاستثمار في البنية الأساسية القادرة على تمكين الذكاء الاصطناعي. الطريقة الأفضل لرفع مستوى معيشة 1.5 مليار شخص تتلخص في الوصول إليهم حيثما كانوا.

 ترجمة: مايسة كامل   

رافي فينكاتيسان رئيس تحالف الطاقة العالمي من أجل الناس والكوكب، هو عضو مجلس إدارة شركة هيتاشي وشركة ServiceNow.

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2026.
www.project-syndicate.org

366091 5 SMART REFRESH Arabic 520 1140x145px 300 ppi

مقالات مختارة

Skip to content