بين 15 إلى 20 ألف متعاطٍ للمخدرات في مناطق القدس الشرقية. محطات بيع وتوزيع السموم على أنواعها تنتنشر أمام العمارات السكنية والمدارس وحتى رياض الأطفال “على عينك يا تاجر“. آلاف المدمنين يعيشون في حارات القدس ومخيماتها بدون وجود أطر علاج ومساعدة حقيقية وسط تقاعس صارخ من البلدية ووزارة الصحة التي تعترف أنها قدمت العلاج في السنوات الثلاث الأخيرة لـ 100 مُدمن فقط.

يصف السكان وأخصائيو العلاج حالة مستمرة من العجز والتقاعس من جانب الشرطة وأجهزة إنفاذ القانون؛ إذ تنشط نقاط تجارة المخدرات جهارًا أمام المدارس وفي مراكز الأحياء، وسط غيابٍ شبه تام لأطر الدعم والمساعدة على الأرض. لقد تحولت شرقي القدس إلى ساحة مستباحة لتعاطي المخدرات الخطيرة والتجارة بها. إن الطريق إلى المخدرات قصيرة ومتاحة، لكن طريق الخروج منها طويلة، ومُعقدة، وفي كثير من الأحيان شبه مستحيلة.
عثرت سماهر (اسم مستعار)على قطعة مخدرات ملفوفة بالنايلون في جيب زوجها، قبل لحظات فقط من محاولة ابنها وضعها في فمه بعد أن ظن أنها قطعة حلوى. حتى تلك اللحظة، كانت تعلم سماهر أن زوجها مدمن؛ فهو يختفي من البيت لأيام، وينفق دخله على المخدرات، ويحطم الأثاث، ويضربها، ويتركها تطعم أطفالها شوربة العدس والمجدرة لأسابيع طويلة. “شعرت إنو ابني رح يموت”، تروي سماهر، “وهون قررت أترك البيت”.
قصة سماهر ليست استثنائية في شرقي القدس؛ إذ يقدّر أخصائيو العلاج الناشطون في المدينة أن الأحياء الفلسطينية في القدس تضم ما بين 15 إلى 20 ألف متعاطٍ للمخدرات، من بينهم نحو 6 آلاف مدمن، من أصل إجمالي سكان يبلغ نحو 400 ألف نسمة.
ما بين 15 إلى 20 ألف متعاطٍ للمخدرات، ونحو 6 آلاف مدمن، في مقابل نحو مائة متعالج فقط ممن وصلوا إلى أطر وإصلاحيات التعافي خلال السنوات الثلاث الماضية. في شرقي القدس باتت المخدرات موجودة في كل حي تقريبًا – لكن طريق العلاج يبدأ من خارج المدينة.

حتى وإن كانت هذه الأرقام مستندة إلى تقديرات وليس إلى إحصاءات رسمية، إلا أنها تعكس مدى تفشي ظاهرة التعاطي والإدمان، والذي بدأ يغير وجهه في السنوات الأخيرة: تراجع في أعمار المتعاطين، وانتشار استخدام المواد المخدرة الكيميائية الرخيصة، وارتفاع في تعاطي الأدوية والمُسكّنات الأفيونية، إلى جانب محطات بيع وتوزيع تنشط -وفقًا لشهادات السكان- في وضح النهار بالقرب من المنازل والمدارس ورياض الأطفال. وفي مواجهة كل ذلك،لا يوجد في شرقي القدس أي مركز فطام علاجي داخلي (اشبوزيت).
يصف المهنيون والأخصائيون العاملون في شرقي القدس تفشي المخدرات بأنه آفة تفكك أسر بأكملها. يقول علاء خروب إن “السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعًا واضحًا في أعداد تجار المخدرات في شرقي القدس”، مؤكدًا أن البيع يتم اليوم “بشكل شبه علني”، وأن الوصول إلى نقاط البيع بات أسهل بكثير من ذي قبل. فيما يحذر أخصائي علاج الإدمان، عصام جويحان، من توسع هذه الدائرة لتطال فئات لم تكن ترتبط بالإدمان سابقًا: أطفال يبدأون التعاطي في سن مبكرة، ونساء، وحتى أشخاص أدمنوا على الأدوية والمُسكّنات الطبية.
من الوصفة الطبية إلى السوق السوداء
بالنسبة لأحمد عودة (25 عامًا) من مخيم شعفاط، بدأت رحلة الإدمان من عيادة الطبيب؛ فبعد تعرضه لحادث دراجة نارية أصيب على إثره بكسور في يديه وقدميه، وصف له الطبيب عقار “بيركوسيت”. يقول أحمد: “ما كان بس يسكّن الوجع، كان يعطيني كمان شعور بالأمان والهدوء في الوقت اللي بلشت فيه دراستي بالجامعة العبرية”. وعندما انتهت الوصفة الطبية، كان أحمد قد وقع بالفعل في فخ الإدمان: “بالبداية كنت أشتري الأقراص من السوق السودا قبال محطة الباصات جنب باب العمود. وبوقت قصير، صرت أصرف بين 3 آلاف لـ 4 آلاف شيكل كل ثلاثة أيام”.

ما يصفه المهنيون والأخصائيون تشاهده هدى، وهي من سكان بيت حنينا، بشكل شبه يومي من نافذة منزلها. تقول إن محطة لتجارة المخدرات تنشط منذ نحو ثلاث سنوات من داخل سيارة تتوقف قبالة المبنى الذي تسكنه هدى على مقربة من روضة أطفال: “هذا مش إشي بنسمع عنه من بعيد، هاد تحت بيتنا بالظبط. الناس بتيجي لهناك لساعات متاخرة بالليل، وأحيانًا للصبح. دايمًا في عجقة وصوت، وإحنا طول الوقت خايفين على أولادنا.. حكينا مع الناس اللي هناك بس ما أجا بنتيجة، وبلغنا الشرطة، بتيجي الدورية وما بتعمل إشي!”.
إن التقديرات الواردة في شهادات الأخصائيين في مجال علاج الإدمان لا تبتعد كثيرًا عن البيانات التي عرضتها دراسة أكاديمية نُشرت عام 2023. ووفقًا للدراسة، التي استندت بين أمور أخرى إلى تقديرات للأمم المتحدة من مصادر رسمية، كان يعيش في شرقي القدس نحو 15 ألف متعاطٍ مسجل للمخدرات. كما شملت الدراسة عينة بحثية من مخيم شعفاط، أظهرت نسبًا مرتفعة لتعاطي الكوكايين، والأمفيتامينات، والميثامفيتامين، والترامل (الترامادول). وبحسب الدراسة، أفاد ربع المتعاطين فقط بدرجة خطورة عالية في شعفاط بأنهم توجهوا إلى خدمات العلاج والتعافي.
تكتسب هذه البيانات دلالةً قاسية للغاية في ظل الواقع الحالي للقدس الشرقية: فبينما توجد المخدرات على بُعد خطوات من المنزل، فإن رحلة التعافي منها تبدأ من خارج المدينة. يكتشف كل من يسعى للتخلص من الإدمان أنه لا يوجد في شرقي القدس بأكمله حتى مركز علاج داخلي واحد للإدمان، ولا توجد منظومة علاجية محلية متكاملة ترافقه منذ لحظة اتخاذه قرار التعافي وحتى مرحلة التأهيل، بل وفي كثير من الأحيان لا تتوفر له جهة داعمة يُمكن الوصول إليها بلغته وثقافته وبيئته الاجتماعية. بالنسبة للعديد من المدمنين، لا تشكل خطوة التوجه للعلاج نهاية الأزمة، بل بداية لرحلة معقدة ومجهدة.

رحلة الفطام المسدودة
من المفترض أن تشمل رحلة علاج الإدمان عدة مراحل: التشخيص الأولي، والتخلص من السموم (الفطام الجسدي) داخل مركز علاجي داخلي عند الحاجة، والعلاج الدوائي، يعقب ذلك التأهيل والعلاج النفسي والاجتماعي، بالإضافة إلى المتابعة لمنع الانتكاسة والعودة للتعاطي. غير أن حلقة الوصل الأولى والحاسمة في هذه السلسلة معدومة تمامًا داخل المجتمع نفسه في شرقي القدس؛ إذ لا يوجد مركز تعافٍ داخلي مرخص، ويتم تحويل المرضى إلى أطر علاجية في غربي القدس أو في مدن أخرى.
ويبدو هذا النقص صارخًا بمقارنته مع حجم الظاهرة الذي يؤكد عليه أخصائيو العلاج. فوفقًا لوزارة الصحة، تلقى نحو 100 مريض فقط من شرقي القدس العلاج في أطر ومراكز تعافٍ من الإدمان خلال السنوات الثلاث الماضية، معظمهم في مركز “درور” بالقدس. وحتى في ظل غياب إحصاء رسمي لعدد المدمنين في شرقي المدينة، فإن الفجوة بين التقديرات الميدانية التي تتحدث عن الآلاف، وبين عدد المرضى الذين وصلوا بالفعل إلى الأطر العلاجية، تُبرز عمق الأزمة وخطورتها.
تنقّل وسام كركي، وهو مقدسي في الأربعينيات من عمره، بين ستة مراكز علاجية خلال أربع سنوات، وفي كل مرة كان يعود فيها إلى التعاطي: “كنت إنسان ناجح ومحبوب، وكنت عايش عشان شغلي”.
بعد أن تعرّف على مادة “الكريستال ميث” عبر أحد الزبائن في كراج السيارات الذي عمل فيه أصبح مدمنًا خلال فترة قصيرة جدًا. وفي إحدى المرات، وعقب مغادرته لأحد مراكز العلاج، قام ببيع ممتلكاته الشخصية ليشتري المخدرات مرة أخرى. يقيم وسام اليوم في مركز “الهُدى” بمنطقة جبع، وهو إطار لعلاج وإعادة تأهيل المدمنين يعمل تحت مظلة السلطة الفلسطينية خارج القدس الشرقية، ويؤكد أنه هناك فقط شعر ولأول مرة بأنه في مكان يناسبه ثقافيا واجتماعيا ويساعده على التماسك والتعافي: “خلال أربع سنوات خسرتُ عملي، وثقة زوجتي، وثقة عائلتي – وثقتي بنفسي”.

إن اضطرار أحد سكان شرقي القدس لإيجاد ملاذ علاج في مؤسسة بعيدة عن بيته وعلى نفقته الخاصة، يجسد حجم العجز الذي تعيشه أسر كثيرة؛ إذ تجد نفسها حائرة بين منظومة بلدية محلية تقدم خدماتها خارج شرقي المدينة، وبين حاجة علاجية ملحة تبدأ من داخل الحي، ومن داخل المنزل، وأحيانًا من داخل غرفة الأطفال.
ردود: “البلدية تُدير مجموعة متنوعة من برامج الوقاية والتوعية”
بلدية القدس: تدير البلدية في شرقي المدينة مجموعة واسعة ومتنوعة من برامج الوقاية والتوعية والتدخل في مجالات العنف، والسلوكيات الخطرة، واستخدام الكحول والمخدرات بين الأطفال والشباب، وذلك من خلال برنامج الأمن المجتمعي التابع لمديرية التربية والتعليم. حيث تنشط دوريات لأولياء الأمور، وتُعقد لقاءات مجموعات وإرشادات للأهالي، إلى جانب تنفيذ أنشطة توعوية ووقائية في المدارس والمجتمع المحلي.
يعمل البرنامج بالتعاون مع المدارس، وشرطة إسرائيل، والجهات المهنية لتعزيز عوامل الحماية، والحد من السلوكيات الخطرة، وترسيخ بيئة آمنة للشباب. كما تنشط إدارة الرفاه الاجتماعي في بلدية القدس بشرقي المدينة من خلال برامج وخدمات واستجابات موجهة للشباب والكبار ممن يواجهون حالات خطر وإدمان. وفي هذا الإطار، تستثمر البلدية عبر إدارة الرفاه وبالتعاون مع الوزارات الحكومية نحو 16 مليون شيكل سنويًا في مكافحة الإدمان، وتستثمر في مجالات الوقاية، والرصد، والتوعية، والعلاج، وإعادة التأهيل.
تُقدَّم هذه الخدمات في كافة أحياء شرقي المدينة، وتتضمن برامج للفتيان والشباب في حالات الخطر، ورصد الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتقديم العلاج الفردي والجماعي، وإرشاد الوالدين، ودعم الأسر، والتحويل إلى الأطر العلاجية. وتُدير إدارة الرفاه أكثر من 25 برنامجًا واستجابة للفتيان والشباب في مختلف حالات الخطر، بما في ذلك الحالات المرتبطة بتعاطي المواد المخدرة. بالإضافة إلى ذلك، تعمل البلدية بالتعاون مع الجهاز التعليمي، ووزارة الصحة، ومؤسسات المجتمع المدني، والجهات المهنية الأخرى بهدف تعزيز جهود الوقاية والتوعية والعلاج.
يعمل في إدارة الرفاه الاجتماعي نحو 60 عاملًا اجتماعيًا ومهنيًا متخصصين في علاج الإدمان ورعاية الشباب في حالات الخطر. وخلال السنوات الثلاث الماضية، حصلت نحو 2500 أُسرة على الدعم والإرشاد والعلاج، وذلك في إطار سياسة بلدية شاملة تهدف إلى تعزيز المناعة الفردية والأسرية والمجتمعية لسكان شرقي القدس. وتؤكد البلدية أنها ستواصل العمل بالتعاون مع كافة الجهات ذات الصلة لمنع السلوكيات الخطرة من أجل رفاه الأطفال والشباب في شرقي المدينة، التزامًا منها بخلق بيئة آمنة وحاضنة وداعمة.
وزارة الصحة: جرى خلال السنوات الثلاث الماضية تقديم العلاج لنحو 100 مريض من شرقي القدس في مجال الإدمان، من بينهم 97 مريضًا في مركز “درور” بالقدس. وستواصل وزارة الصحة متابعة هذه الفئة من السكان. كما تسعى الوزارة إلى نقل ملف العلاج المبكر للإدمان إلى صناديق المرضى، بهدف الحد من الوصمة الاجتماعية، وتعزيز أدوات الرصد والعلاج المبكر داخل المجتمع المحلي، إلى جانب إتاحة الخدمات العلاجية بما يتناسب مع ثقافة البيئة المحلية.
يُنشر هذا التحقيق بالعبرية في موقع “شومريم“










