
تستعد وزارة المالية لاحتمال تراجع إيرادات الدولة من الضرائب بسبب توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي وتأثيره على سوق العمل، وتدرس فرض ضرائب جديدة لتعويض هذا التراجع. وتشمل المقترحات فرض ضريبة أملاك على الأراضي غير المبنيّ عليها، وزيادة الضرائب على السلع الفاخرة، وفرض ضريبة تُعرَف بـِ«ضريبة نتفليكس» على شركات البث الرقمي الأجنبية كنتفليكس وديزني+. كما تدرس الوزارة فرض ضرائب على استهلاك الطاقة والأراضي المخصصة لإقامة مزارع الخوادم، فيما تعارض فرض ضريبة خاصة على الروبوتات ووكلاء الذكاء الاصطناعي والقدرات الحاسوبية.
وكانت وزارة المالية قد دعت الجمهور في يوليو إلى تقديم اقتراحات بشأن السياسة الضريبية الملائمة لعصر الذكاء الاصطناعي. ويعمل فريق خاص برئاسة كبير الاقتصاديين في الوزارة، د. شموئيل أبرامزون، على إعداد مقترحات الضرائب الجديدة، ومن المتوقع أن تُطرح استنتاجاته الأولية أمام الحكومة المقبلة.
وتخشى وزارة المالية من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إلغاء وظائف قائمة بوتيرة أسرع من خلق وظائف جديدة. وفي السيناريو الإيجابي، سيؤدي استخدام هذه التكنولوجيا إلى زيادة الإنتاجية من دون اضطرابات كبيرة في سوق العمل، بينما قد يؤدي في السيناريو الأخر إلى اختفاء وظائف وارتفاع البطالة، بالتوازي مع تركّز نسبة أكبر من الأرباح والثروة لدى عدد محدود من الشركات وأصحاب رؤوس الأموال. وحتى إذا استقر سوق العمل لاحقًا وظهرت وظائف جديدة، فقد ترتفع البطالة خلال الفترة الانتقالية.
ويتوقع كثير من الخبراء أن تتراجع حصة أجور العاملين من إجمالي النشاط الاقتصادي في السنوات المقبلة، مقابل زيادة حصة الأرباح ورأس المال، وهو اتجاه بدأ يظهر بالفعل في إسرائيل ودول أخرى. ويثير ذلك قلق وزارة المالية، لأن الدولة تجبي ضرائب أعلى من أجور العاملين مقارنة بالضرائب التي تجبيها من استثمارات رأس المال، ما يعني أن تراجع الأجور قد يؤدي إلى انخفاض إيراداتها من الضرائب.
ومن القضايا الأخرى المطروحة احتمال أن تستخدم الشركات تقنيات قادرة على استبدال العمال، من دون أن تحقق في المقابل زيادة كبيرة في الإنتاجية. وفي هذه الحالة، قد تختفي وظائف من سوق العمل من دون أن يؤدي استخدام التكنولوجيا إلى نمو اقتصادي كبير يعوض فقدان هذه الوظائف. كما يُتوقع أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى اتساع فجوات الأجور. وغالبية الجهات التي قدمت اقتراحات وملاحظات إلى وزارة المالية ترى أن المكاسب الناتجة عن زيادة الإنتاجية قد تتركز لدى العاملين الذين يتمتعون أصلًا بمهارات مرتفعة وتعليم متقدم وأجور عالية، ما قد يزيد الفجوات بينهم وبين باقي العاملين.
وقد تتسع الفجوات أيضًا بين الدول، إذ تتركز الشركات العملاقة التي تملك حقوق الملكية الفكرية والموارد الأساسية في مجال الذكاء الاصطناعي بصورة رئيسية في الولايات المتحدة والصين. ولذلك ستحتاج دول صغيرة مثل إسرائيل إلى ضمان حصة لها في النشاط الاقتصادي العالمي المرتبط بهذه التكنولوجيا. وسبق لإسرائيل أن اندمجت في قطاعات تكنولوجية عالمية مثل السايبر والتكنولوجيا المالية، إلا أن نجاحها في هذه المجالات لا يضمن مكانة مماثلة في سوق الذكاء الاصطناعي.
ومن أبرز المخاوف تراجع إيرادات الدولة من الضرائب على الرواتب. فإذا فضّلت الشركات شراء خدمات من شركات في الخارج بدل توظيف موظفين في إسرائيل، ستخسر الدولة جزءًا من الضرائب التي كانت تجبيها من أجور هؤلاء العاملين. وتواجه الدولة أيضًا خطر نقل الشركات متعددة الجنسيات جزءًا من نشاطها أو أرباحها إلى دول تفرض ضرائب أقل. كما قد يقلل الذكاء الاصطناعي بصورة كبيرة عدد العاملين المطلوبين في مراكز البحث والتطوير، ما قد يؤدي إلى انخفاض الأرباح التي تسجلها هذه المراكز في إسرائيل، وبالتالي تراجع الضرائب التي تدفعها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بسبب العدد الكبير من مراكز البحث والتطوير التابعة لشركات عالمية في إسرائيل. كما أن جزءًا كبيرًا من الشركات الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي هو شركات أميركية، ويعمل عدد كبير منها في إسرائيل، ما يجعل إيرادات الدولة من الضرائب مرتبطة أيضًا بالسياسة الضريبية التي تعتمدها الولايات المتحدة وبالقواعد التي تحدد كيفية توزيع الضرائب على أرباح الشركات العالمية بين الدول.
ولتعويض التراجع المحتمل في إيرادات الدولة من الضرائب المفروضة على رواتب العاملين، تدرس وزارة المالية زيادة الضرائب على رؤوس الأموال والأملاك. ومن أبرز المقترحات إعادة فرض ضريبة أملاك على الأراضي غير المبنيّ عليها، بهدف تشجيع أصحابها على البناء، وهي خطوة انتقدها في السابق عدد من الخبراء لأن الفئة الأكثر تضررًا منها هي العرب.
وكان اقتراح فرض ضريبة على الأراضي غير المبنيّ عليها قد طُرح في قانون التسويات الأخير للمساعدة في تمويل نفقات الحرب، لكنه أُلغي لاحقًا خلال مناقشة قانون التسويات. وطُبِقَت هذه الضريبة في البلاد حتى بداية الألفين، بهدف تشجيع أصحاب الأراضي على البناء عليها كما تقول الوزارة. وقدّرت الإيرادات المتوقعة لخزينة الدولة من هذه الضريبة بـِ9.5 مليار شيكل سنويًا بعد تطبيقها بالكامل. وخلال مناقشة الاقتراح، تقرر استثناء الأراضي الزراعية من الضريبة، لكن المعارضة السياسية الشديدة أدت في النهاية إلى إسقاط الاقتراح كله.
كما تدرس وزارة المالية زيادة الضرائب على السلع الفاخرة، بهدف تحصيل إيرادات أكبر من أصحاب رؤوس الأموال والثروات المرتفعة. ومن المقترحات فرض «ضريبة نتفليكس»، التي تلزم الشركات الأجنبية التي تبيع خدمات رقمية للمواطنين في البلاد، ومن بينها شركات البث الرقمي كنتفليكس، بجباية ضريبة القيمة المضافة. وكان هذا المقترح قد أُدرج في قانون التسويات لعام 2023، وقدرت وزارة المالية حينها أنه سيدر على خزينة الدولة 500 مليون شيكل سنويًا.
وفي الوقت نفسه، تريد وزارة المالية تشجيع شركات الذكاء الاصطناعي على مواصلة العمل في البلاد. ولهذا تدرس وضع قواعد واضحة تحدد أي أرباح تحققها هذه الشركات من أعمالها في مجال الذكاء الاصطناعي تخضع للضريبة في إسرائيل، وكيف تُحسب الضرائب عندما تعمل الشركة في البلاد وفي دول أخرى، حتى لا تُفرض الضريبة على الدخل نفسه أكثر من مرة. كما تدرس وزارة المالية استخدام قوانين تشجيع الاستثمار لمنح شركات الذكاء الاصطناعي إعفاءات أو تسهيلات ضريبية تشجعها على العمل في إسرائيل. وفي المقابل، ترى الوزارة أنه لا ينبغي فرض ضرائب على هذه الشركات أعلى من الضرائب المعتمدة دوليًا بموجب قواعد Pillar 2.
في المقابل، تعارض وزارة المالية فرض ضريبة خاصة على استخدام الروبوتات أو أنظمة الذكاء الاصطناعي أو القدرات الحاسوبية اللازمة لتشغيلها. وترى أن فرض ضرائب من هذا النوع قد يرفع تكاليف الشركات العاملة في إسرائيل ويجعل العمل فيها أقل جاذبية مقارنة بدول أخرى.
وتشمل الخطوات المقترحة أيضًا توفير بيئة أعمال أكثر سهولة، وتخفيف القيود التنظيمية، وتسهيل وصول الشركات إلى البنى التحتية المتطورة وإلى القوى العاملة المؤهلة. كما تعمل وزارة المالية على إعداد خطة ضريبية لتشجيع تسجيل الشركات وحقوق الملكية الفكرية في إسرائيل، مثل البراءات والبرمجيات والخوارزميات، بهدف إبقاء الأرباح الناتجة عنها خاضعة للضريبة في إسرائيل بدل نقلها إلى الخارج.
كما تدرس الوزارة فرض ضرائب على استخدام الموارد المحدودة التي تحتاج إليها صناعة الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الطاقة والأراضي اللازمة لإقامة مزارع الخوادم. ويختلف هذا المقترح عن فرض ضريبة على الذكاء الاصطناعي نفسه، إذ يتعلق باستخدام الأراضي والطاقة والبنية التحتية اللازمة لتشغيل مراكز الحوسبة.










