الثلاثاء, أكتوبر 13, 2026 01:22
/
/
بلدية القدس تطالب سكان شعفاط بالأرنونا مقابل خدمات كانت تقدمها الأونروا

بلدية القدس تطالب سكان شعفاط بالأرنونا مقابل خدمات كانت تقدمها الأونروا

تلقت عشرات العائلات في المخيم خلال السنوات الأخيرة مطالبات بسداد ديون متراكمة من ضريبة الأرنونا تصل إلى عشرات آلاف الشواكل، يعود بعضها إلى فترات لم تقدّم خلالها البلدية أي خدمات تقريبًا لسكانه. وعلى مدى سنوات، اعتمد السكان على الأونروا لتوفير خدمات التعليم والصحة وجمع النفايات والبنية التحتية، فيما تفرض بلدية القدس اليوم حجوزات على الحسابات المصرفية وتحصّل ديون عن سنوات سابقة
أيقون موقع وصلة Wasla
_IBI SMART 535 x 75 px
مخيم شعفاط (تصوير: رحمة علي)
في عام 2024، طالبت بلدية القدس أسرة سحر الطويل، من سكان مخيم شعفاط، بدفع نحو 74 ألف شيكل من ديون الأرنونا المتراكمة منذ عام 2004. وتقول سحر إن البلدية حجزت على حساب زوجها البنكي وسحبت منه عشرات آلاف الشواكل لتسديد الدين. واضطرت الأسرة إلى الاستعانة بمحامٍ لترتيب تقسيط المبلغ المتبقي، لتصبح ديون السنوات الماضية عبئًا يزاحم احتياجات الزوجين وأبنائهما الثلاثة.

أما آمال محمد، فتقول إن أسرتها تسدّد نحو 610 شواكل شهريًا من معاش والدتها المسنّة، لتغطية دين أرنونا يبلغ نحو 59 ألف شيكل عن سنوات سابقة، بعدما طالت إجراءات الحجز حساب الأم البنكي أيضًا. كذلك، تدين إيمان ترتير، وهي ربة منزل، لبلدية القدس بنحو 16 ألف شيكل، بعد توصلها إلى اتفاق لتقسيط دين قديم مستحق عليها من ضريبة الأرنونا.

تُمثّل هذه القصص عيّنة صغيرة مما تواجهه عشرات العائلات في مخيم شعفاط، بحسب شهادات السكان والجهات الحقوقية التي تحدثت إلى “وصلة”. فقد وجدت هذه العائلات نفسها مطالبة بتسديد عشرات آلاف الشواكل من ديون الأرنونا عن سنوات سابقة، لم تكن البلدية توفر خلالها خدمات تُذكر للمخيم. وتكشف هذه المطالبات الفجوة التي طبعت علاقة المخيم بالبلدية لعقود: تبعية رسمية لبلدية القدس، واعتماد فعلي على الأونروا لتوفير الخدمات الأساسية للسكان.

نفايات في أحد شوارع مخيم شعفاط. (تصوير: رحمة علي)

الديون تراكمت فيما ظلّت الخدمات غائبة

أنشأت الأونروا مخيم شعفاط عام 1965، بطلب من الحكومة الأردنية، لاستيعاب نحو 500 عائلة لاجئة كانت تقيم في مخيم المعسكر المكتظ داخل البلدة القديمة في القدس. وفي عام 1967، أدرجت إسرائيل المخيم ضمن حدود بلدية القدس التي وسّعتها بعد احتلال القدس الشرقية. وبعد عقود، جاء جدار الفصل ليعزل المخيم عن بقية المدينة، من دون أن يُخرجه من نطاق بلدية القدس.

على مرّ السنين، ارتبطت حياة سكان مخيم شعفاط اليومية بالخدمات التي وفّرتها الأونروا. وفي عام 2018، أعلنت بلدية القدس دخول عمال نظافة تابعين لها إلى المخيم للمرة الأولى. وقدّم رئيس البلدية آنذاك، نير بركات، هذه الخطوة باعتبارها المرحلة الأولى من خطة لإخراج الأونروا من القدس، متعهدًا بأن تتولى البلدية لاحقًا، بالتعاون مع الحكومة، تقديم خدمات التعليم والصحة والرفاه الاجتماعي أيضًا.

وبعد أربع سنوات، وصف تقرير صادر عن الأونروا الخدمات التي تقدمها البلدية في المخيم بأنها “محدودة للغاية”. وجاء إغلاق مؤسسات الأونروا في المخيم في أعقاب قانونين أقرّهما الكنيست عام 2024، على خلفية اتهامات إسرائيلية بوجود صلات بين الوكالة وحركة حماس، وضلوع موظفين تابعين لها في هجوم السابع من أكتوبر. وحظر القانونان نشاط الأونروا داخل إسرائيل، ومنعا التواصل بين سلطات الدولة والوكالة، وشملا القدس الشرقية أيضًا.

دخل الحظر حيّز التنفيذ مطلع عام 2025، وفُرض لاحقًا في المخيم أيضًا. ففي مايو 2025، أغلقت السلطات الإسرائيلية مدارس الأونروا الثلاث في مخيم شعفاط، فيما أُغلق المركز الطبي التابع للوكالة في المخيم عام 2026.

وتظهر خصوصية المخيم أيضًا في منظومة المياه والصرف الصحي. فشركة “جيحون”، التي تتولى هذه الخدمات في القدس، تقول في ردّها على توجه “وصلة” إنها تتولى إيصال المياه حتى مدخل المخيم فقط، وإن تصريف المجاري يتم عبر خط يقع خارجه. أما شبكات توزيع المياه داخل المخيم، فتؤكد الشركة أنها لم تكن، وليست حاليًا، ضمن مسؤوليتها، وأن الأونروا كانت تتولى هذه الخدمات تاريخيًا، وتضيف أنها تساعد أحيانًا في معالجة مشكلات الصرف الصحي، لكنها لا تعتبر ذلك إقرارًا بمسؤوليتها عن تلك الشبكات.

خلال السنوات السابقة، لم يمنع الغياب شبه التام للخدمات البلدية الأساسية في مخيم شعفاط قسم الجباية في بلدية القدس من إرسال مطالبات إلى بعض السكان بدفع ضريبة الأرنونا. تقول سحر الطويل: “كان زوجي يتلقى إشعارات بالأرنونا منذ عام 2004، ويراجع البلدية كل سنة، وفي كل مرة كان الملف يُغلق”. وكان إثبات الإقامة في المخيم يتيح للسكان وقف هذه المطالبات، كما تروي آمال محمد علي: “كنت أتوجه إلى البلدية ومعي رسالة من مختار المخيم تثبت أنني أسكن فيه، فتُلغى المطالبة”. لكن ما بدا للسكان إغلاقًا للملف لم يكن يعني بالضرورة شطب الدين.

نفايات في أحد شوارع مخيم شعفاط. (تصوير: رحمة علي)

البلدية جمّدت الديون.. والسكان اعتقدوا أنها أُلغيت

لكن نهج تجميد المطالبات تغيّر خلال السنوات الأخيرة، بحسب الجهات الحقوقية التي تتابع ملفات السكان، لتتحوّل الديون المسجّلة إلى مطالبات فعلية بالسداد عن سنوات سابقة. يقول رامي صالح، مدير مركز القدس لحقوق الإنسان: “كانت إجراءات الحجز تُلغى، فيما تبقى الديون مسجّلة ومجمّدة. اليوم، بدأت البلدية تطالب سكانًا بدفع الأرنونا عن سبع سنوات سابقة”. ويشير إلى أن المركز تعامل مع مطالبة بلغت نحو 154 ألف شيكل.

رامي صالح (تصوير: رحمة علي)

تُثقل مطالبات الدفع كاهل السكان الذين يعانون أصلًا من أوضاع اقتصادية صعبة. ويعيش في مخيم شعفاط نحو 24 ألف شخص. ووفقًا لخريطة التصنيف الاجتماعي والاقتصادي الصادرة عن دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية لعام 2021، تندرج منطقة المخيم ضمن العنقود الأول، وهو الأدنى من بين عشرة عناقيد على السلم الاجتماعي والاقتصادي.

ووفقًا لمنظمات الإغاثة وممثلي السكان، انتهجت البلدية منذ مطلع عام 2026 سياسة جباية ممنهجة، إذ أرسلت مؤخرًا نحو 100 مطالبة بالدفع، يتعلق بعضها بديون تعود إلى نحو 20 عامًا، أُضيفت إليها فوائد وغرامات. ويقول شاهر علقم، عضو اللجنة الشعبية في المخيم: “ما يجري منذ بداية عام 2026 يبدو وكأنه تحوّل إلى سياسة جديدة ومنهجية في الجباية”.

 تُترجم هذه المبالغ إلى حجوزات على الحسابات وأقساط تُقتطع من الرواتب ومعاشات التقاعد، لتضيّق قدرة الأسر على تغطية احتياجاتها اليومية وتُبقيها تحت ضغط ديون تراكمت لسنوات. 

جعل انخفاض تكاليف المعيشة من المخيم ملاذًا لسكان القدس الذين يواجهون صعوبات اقتصادية. وتُظهر نتائج استطلاع أجراه معهد القدس لأبحاث السياسات في أواخر عام 2022 ومطلع عام 2023 صورة أوضح للضغوط الاقتصادية التي يعاني منها سكان الأحياء الواقعة خلف الجدار، بما فيها مخيم شعفاط ومحيطه وكفر عقب، إذ أفاد ربع المشاركين فقط بأن عائلاتهم تتمكن من تغطية نفقاتها الأساسية دون صعوبة.

ووفقًا للاستطلاع، تواجه نحو 70% من العائلات صعوبات في تغطية نفقاتها أو تعجز عن تغطيتها. كما تُظهر النتائج فجوة كبيرة في معدلات التشغيل بين الرجال والنساء، إذ تبلغ نسبة العاملين من الرجال 91%، معظمهم في الأعمال اليدوية وقطاع الخدمات، مقابل 24% من النساء. وفي السياق الأوسع، عاش نحو 60% من السكان العرب في القدس تحت خط الفقر عام 2024، وهي نسبة تشمل مجمل السكان العرب في المدينة، وليس سكان مخيم شعفاط وحده.

أرنونا؟ أنت وحظك

الحالة العبثية في تعامل البلدية مع سكان المخيم لا تنتهي بمطالبتهم بدفع ضريبة الأرنونا في ظل خدمات بلدية شبه معدومة، بل تشمل أيضًا آلية مطالبة تبدو، من شهاداتهم، انتقائية وغير مفهومة. فسحر الطويل تقول إن أسرتها، بحسب علمها، هي الوحيدة التي تلقت مطالبات عن سنوات سابقة في عمارة تتألف من سبعة طوابق. وتروي آمال محمد علي أنها تعيش مع والدتها في مبنى يسكن فيه أيضًا إخوتها المتزوجون، لكن أسرتها وحدها تدفع الأرنونا، وفق ما تعرفه. وهي شهادات تطرح سؤالًا عن المعايير التي تحدّد وصول المطالبات إلى بعض الشقق دون غيرها، حتى داخل المبنى نفسه.

من جهتها، تقول بلدية القدس إنها تتبع سياسة موحّدة ومتساوية في جباية الأرنونا وتقديم الخدمات في جميع أنحاء المدينة، بغض النظر عن الموقع الجغرافي. وتوضح أن تصنيف العقارات ونسب الضريبة وآليات الجباية تُحدَّد وفق القوانين والأنظمة السارية على جميع سكان القدس، وأن عمليات المسح والإنفاذ تُنفَّذ وفق توجيهات الجهات الأمنية عندما تفرض الظروف الأمنية أو اعتبارات السلامة قيودًا على العمل الميداني. لكن الرد لم يتضمن تفسيرًا للتحول في تحصيل ديون الأرنونا داخل المخيم، أو تفصيلًا للخدمات التي وفّرتها البلدية خلال السنوات التي تشملها المطالبات. وبين تأكيد البلدية المساواة في الجباية والخدمات وشهادات السكان عن غيابها الطويل، تجد أسر في المخيم نفسها أمام التزام حاضر بتسديد ديون الماضي.

يُنشر هذا التحقيق بالعبرية في موقع “شومريم”

حمّل تطبيق وصلة للاقتصاد والأعمال وتابع آخر الأخبار أولاً بأول

_IBI SMART 535 x 75 px

مقالات مختارة

Skip to content