الجمعة, أكتوبر 9, 2026 01:32
/
/
الوظيفة وحدها لا تكفي: كيف نبني مستقبلًا ماليًا أكثر أمانًا؟

الوظيفة وحدها لا تكفي: كيف نبني مستقبلًا ماليًا أكثر أمانًا؟

أيقون موقع وصلة Wasla
Wasllah-03

طالما شغل المجتمع العلمي مسألة ثنائية “الطبع والتطبّع”؛ وما إذا كانت البيولوجيا هي التي تسيّر الإنسان أم السوسيولوجيا ومحيطه الاجتماعي. ومؤخرًا، يميل الفكر إلى دمج المسارين معًا. وإذا استعرنا هذه المقاربة لإلقاء نظرة تحليلية سريعة على عالم العمل، وافترضنا أن البيولوجيا تمثل “الثابت”، فإن المعادل لها في سوق التشغيل هو “التخصص”. التخصص هو تلك الأدوات العملية التي نكتسبها مع الزمن لنحولها إلى مصدر لإنتاج القيمة وجنيها. ورغم أن التخصص في جوهره ليس جامدًا، إلا أننا في عالم “الوظيفة” أدمنا التعامل معه كقالب ثابت؛ فهذا محامٍ، وذاك مبرمج وهكذا.

 خذ جولة سريعة في “لينكد إن” لتجد أن الأوصاف الوظيفية للشركات العالمية تبحث عن قوالب بشرية محددة سلفاً، لدرجة تشعرك أن مسؤول التوظيف كاد أن يكتب في نهاية الإعلان: “نبحث عن شخص مطابق لمواصفات فُلان” (الموظف السابق). حتى وقت قريب، كان يُنظر للعمل كمسار خطي متوقع يعتمد على صقل ذات الأدوات، لكن ثورة الذكاء الاصطناعي قلبت الموازين؛ فبينما تلتهم التكنولوجيا حصة الأسد من الوظائف التقليدية، تفتح من جهة أخرى بابًا أسهل لاكتساب مهارات ومعارف واسعة تتجاوز حدود التخصص الضيق.

خالد السيّد
ممكن نتعرف؟
خالد السيّد
المدينة عكا
الدراسة بكالوريوس اقتصاد وإدارة أعمال وماجستير دراسات سلام وصراع.
العمل مدير قسم المبيعات والتسويق في راديو الناس.

 على الجانب الآخر، تبرز “شبكات العلاقات” كمعادل لمفهوم “التطبع” أو المحيط المتغير. وفي عالم المهنة، غالبًا ما تدور هذه العلاقات في حلقات شبه مغلقة فرضتها سطوة التخصص. ففي أحيان كثيرة العلاقات المهنية تظل حبيسة الإطار الوظيفي ذاته. في المقابل، تشجع مبادرات كثيرة “التشبيك” العشوائي دون هدف واضح، وهو ما لا يحقق بالضرورة فائدة حقيقية. فالعلاقة المجدية حقًا هي تلك التي تمكننا من إنتاج القيمة أو جنيها، لكن التمسك بحدود التخصصات المهنية قد يعيق بناء مثل هذه العلاقات، فعقلية “المهنة” لا تزال هي المهيمنة، رغم أن هذه الهيمنة لم تعد قدرًا محتومًا.

 إذا جردنا العمل من البروباغندا الرأسمالية الحديثة، سنجد أن هدفه الأوليّ للفرد هو “تلقي القيمة” (المادية تحديدًا) وليس مجرد إنتاجها للمنفعة العامة. وليس صدفةً أن يتصاعد الحديث مؤخرًا عن “التحرر المالي” بالتزامن مع تنوع أدوات إنتاج القيمة، أكانت حقيقيّة أم وهميّة. يتصاعد الإدراك مؤخرًا أن الحرية الحقيقية تكمن في فك الارتباط الحتمي بمصدر دخل وحيد يتلخص بالعمل لدى آخرين، قد يتبخر بين ليلة وضحاها. وفي ظل اضطراب الأسواق العالمية وتعمق التضخم واللايقين، تتحول الوظيفة بمفهومها التقليدي تدريجياً إلى عائق أمام تحقيق الاستقلال المالي، خاصّة إن لم تتوفّر البدائل (أو المكمّلات) العمليّة للفرد.

خالد السيد

 

ولنا في قطاع التقنية الفائقة (الهايتك) خير دليل على السّرعة التي يمكن أن تفتقد فيها أكثر المهن ربحيّة قيمتها الإنتاجيّة وبالتالي قدرتها على إنتاج القيمة الفرديّة. وعليه، يصبح الخطاب التقليدي الذي يمجّد التدرج الوظيفي وحده، داخل المؤسسات الربحية خطابًا إشكاليًا (وإن اختلف النقاش قليلاً في القطاعات الحكومية وغير الربحية ذات الأبعاد المجتمعية).

 اليوم، وبفضل تداخل المعارف وتوفر الأدوات، بات الفرد قادرًا على تحقيق مكاسب مالية إضافية بجهد أقل. ونرى الآن جيلاً من الشباب يوازون بين وظائفهم الكاملة وتنمية أعمال ومشاريع خاصة مهما بلغت بساطتها. من موقع المسؤولية، يجب أن نستثمر في هذا الحس مجتمعياً، ونشجع كافة الشرائح على تطوير البدائل المستقلة، ليس فقط في قطاع التكنولوجيا الريادي بل في شتى المجالات. فهذا التوجه ليس مجرد رافعة اقتصادية للفرد، بل أداة تمكين جماعية تمنحنا سيطرة أكبر على أدوات الإنتاج؛ فالحرية الاقتصادية هي حجر الأساس للحرية الاجتماعية والسياسية.

 لا أشجع هنا عن التخلي التام عن مفهوم التدرج الوظيفي قطعاً، ففي سوق تنافسي سريع التطوّر، يتحتّم على الفرد مواصلة تطوير وصقل مهاراته، ولعلّ من أهم هذه المهارات القدرة على إحداث تأثير حقيقي في الشركات والمؤسسات، وهي مهارة لا غنى عنها.

ومع ذلك، يتطلّب المستقبل القريب منّا تطوير مهارة إضافية، وهي المرونة والقدرة على التكيّف مع التغيّرات ومواصلة التطوّر. وتبدأ تنمية هذه المهارة بتوسيع علاقاتنا المهنية خارج الدوائر التقليدية، بصورة مدروسة وهادفة، بما يتيح لنا اكتساب معارف جديدة، وتطوير قدراتنا، وبناء علاقات مهنية واقتصادية مع أشخاص من مجالات مختلفة، وفتح فرص جديدة للنمو والتقدّم.

وربما يمكن هنا أيضًا الجمع بين المهارات العمليّة التي نكتسبها من التخصّص، والفرص الجديدة التي تتيحها لنا شبكة من العلاقات المهنيّة الهادفة والمدروسة، وهو ما يفتح أمامنا آفاقًا جديدة.

“مشبك”، مجتمع مهني-تشغيلي يهدف إلى تعزيز التقدم المهني للمواهب العربية، من خلال التعلم، التشبيك، القيادة، وتبادل الخبرات. بمبادرة جمعية “كو-إمباكت”.

حمّل تطبيق وصلة للاقتصاد والأعمال وتابع آخر الأخبار أولاً بأول

Wasllah-03

مقالات مختارة

Skip to content